أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

656

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدهما : أنه حال من الضمير في « لِي » قال : « والثاني : أن بكون مفعولا به تقديره : ما ليس يثبت لي بسبب حق ، فالباء متعلقة بالفعل المحذوف لا بنفس الجارّ ، لأنّ المعاني لا تعمل في المفعول به » . قلت : وهذا ليس بجيد لأنه قدّر متعلّق الخبر كونا مقيدا ثم حذفه وأبقى معموله . الوجه الثالث : أنّ قوله « بِحَقٍّ » متعلق بقوله : « عَلِمْتَهُ » ويكون الوقف على هذا قوله « لِي » والمعنى : فقد علمته بحق . وقد ردّ هذا بأن الأصل عدم التقديم والتأخير ، وهذا لا ينبغي أن يكتفى به في ردّ هذا ، بل الذي منع من ذلك أنّ معمول الشرط أو جوابه لا يتقدّم على أداة الشرط لا سيما والمرويّ عن الأئمة القرّاء الوقف على « بِحَقٍّ » ، ويبتدئون ب « إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ » وهذا مرويّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فوجب اتّباعه . والوجه الثاني في خبر « لَيْسَ » أنه « بِحَقٍّ » ، وعلى هذا ففي « لِي » ثلاثة أوجه : أحدها : أنه « يَتَبَيَّنَ » * كما في قولهم : « سقيا له » أي : فيتعلّق بمحذوف . والثاني : أنه حال من « بِحَقٍّ » ، لأنه لو تأخّر لكان صفة له ، قال أبو البقاء : « وهذا يخرّج على قول من يجوّز تقديم حال المجرور عليه » قلت : قد تقدم لك خلاف الناس فيه وما أوردوه من الشواهد ، وفيه أيضا تقديم الحال على عاملها المعنوي ، فإنّ « بِحَقٍّ » هو العامل إذ « لَيْسَ » لا يجوز أن تعمل في شيء ، وإن قلنا : إنّ « كان » أختها قد تعمل لأن « لَيْسَ » لا حدث لها بالإجماع . والثالث : أنه متعلّق بنفس « حق » لأنّ الباء زائدة ، وحقّ بمعنى مستحق أي : ما ليس مستحقّا لي . قوله : إِنْ كُنْتُ وإن كانت ماضية اللفظ فهي مستقبلة في المعنى ، والتقدير : إن تصحّ دعواي لما ذكر ، وقدّره الفارسي بقوله : « إن أكن الآن قلته فيما مضى » لأنّ الشرط والجزاء لا يقعان إلا في المستقبل » . وقوله : فَقَدْ عَلِمْتَهُ أي : فقد تبيّن وظهر علمك به كقوله : فَصَدَقَتْ « 1 » و فَكَذَبَتْ « 2 » و فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ « 3 » . قوله : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي هذه لا يجوز أن تكون عرفانية ، لأنّ العرفان كما قدّمته يستدعي سبق جهل ، أو يقتصر به على معرفة الذات دون أحوالها حسب ما قاله الناس ، فالمفعول الثاني محذوف ، أي : تعلم ما في نفسي كائنا وموجدا على حقيقته لا يخفى عليك منه شيء ، وأمّا : « وَلا أَعْلَمُ » فهي وإن كان يجوز أن تكون عرفانية ، إلا أنها لمّا صارت مقابلة لما قبلها ينبغي أن يكون مثلها ، والمراد بالنفس هنا على ما قاله الزجاج أنها تطلق ويراد بها حقيقة الشيء ، والمعنى في قوله « تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي » إلى آخره واضح . وقال : « المعنى : تعلم ما أخفيه من سرّي وغيبي ، أي : ما غاب ولم أظهره ، ولا أعلم ما تخفيه أنت ولا تطلعنا عليه ، فذكر النفس مقابلة وازدواجا ، وهذا منتزع من قول ابن عباس ، وعليه حام الزمخشري فإنه قال : « تعلم معلومي ولا أعلم معلومك » ، وأتى بقوله : « ما فِي نَفْسِكَ » على جهة المقابلة والتشاكل لقوله : « ما فِي نَفْسِي » فهو كقوله : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ « 4 » ، وكقوله :

--> ( 1 ) سورة يوسف ، الآية ( 26 ) . ( 2 ) سورة يوسف ، الآية ( 27 ) . ( 3 ) سورة النمل ، الآية ( 90 ) . ( 4 ) سورة آل عمران ، الآية ( 54 ) .